السيد حيدر الآملي

122

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

المحبّة : المناسبة الذاتيّة ، ثمّ العارضيّة ، وتلك بأنواع كما هي مذكورة في الكتب الحكميّة في باب المحبّة ، وكذلك في كتب المحقّقين من أرباب التوحيد ، حتّى ذهب بعض الحكماء إلى أنّ اللَّه تعالى لا يجوز له أن يحبّ أحدا ويحبّه أحد ، لأنّ المحبّة تقتضي الجنسيّة وليس للواجب مع الممكن جنسيّة بوجه من الوجوه فلا يجوز له محبّته أصلا ، وهذا الكلام ليس له أصل لكن ذكرناه تنبيها لك على فساد عقائدهم وقواعده . والغرض أنّه لا بدّ في المحبّة من المناسبة ، ذاتيّة كانت أو عرضيّة كما ورد في اصطلاح أهل اللَّه وهو قولهم : المحبّة الأصليّة هي محبّة الذات عينها لذاتها لا باعتبار أمر زائد لأنّها أصل جميع أنواع المحبّات ، فكلّ ما بين اثنين فهي إمّا لمناسبة في ذاتهما أو لاتّحاد في وصف أو مرتبة أو حال أو فعل ، فمناسبتهم مع اللَّه حينئذ يكون من حيث تقديسهم وتنزيههم من دنس البشريّة ، ورجس الحدوث والإمكان ، واتّصافهم بالأوصاف الربّانيّة والأخلاق الإلهيّة ، والدليل على ذلك وهو أنّهم إذا كانوا في عالم البشريّة وحكم الطبيعة لم يتمكّنوا من هذا ، كما قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « لي مع اللَّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » ( 67 ) .

--> ( 67 ) قوله : لي مع اللَّه وقت . الحديث . ذكره المجلسي رحمه اللَّه في بحار الأنوار ج 18 ص 360 ، والحديث معروف ومشهور عند علماء المسلمين وخاصّة عند العرفاء . مقام لدى سدرة المنتهى لأحمد لا شكّ للمصطفى فقد كان بالقرب من ربّه على قاب قوسين لما دنا فما مثل أحمد فيمن مضى من الرسل في سالف من ورى لعله صلَّى اللَّه عليه وآله أخبر في هذا الحديث عن مقامه الأعلى يعني مقام : « قاب قوسين أو أدنى » كما قال سبحانه وتعالى : * ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى ) * [ النجم : 7 - 10 ] . لا يصل إلى هذه المرتبة من القرب إلَّا العبد المطلق أي « عبده » يعني عبد الذات وهو أشرف من عباد الأسماء حتى من عبد اللَّه سبحانه وتعالى . والمقام هذا فوق المقامات والمرتبة هذه أعلى المراتب وهو التجرّد عن الكونين يحصل بعد العبور عن العالمين : الخلق والأمر ، لم يصل إليه أحد من الملائكة والرسل ، كما قال الروح الأمين ليلة المعراج : « لو دنوت أنملة لاحترقت » [ بحار الأنوار : ج 18 ص 382 ] . أي لو أتجاوز هذا المقام لا أكون ومرتبة وجودي هذا ، قال سبحانه وتعالى : * ( وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) * [ الصافات : 164 ] . قيل أراد بالنبيّ المرسل أخاه الخليل عليه السّلام ولكنّه سهو واضح باعتبار أنّ كلمة « مرسل » في الحديث نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم يعني أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله أراد نفي أيّ رسول حتّى نفسه ، والمذكور في الرسالة القشريّة ص 155 هكذا : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربّي عزّ وجلّ » . ويعبر أيضا هذا : بمقام العنديّة كما قال سبحانه وتعالى : * ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) * [ القمر : 55 ] . نعم هناك رفيق معه صلَّى اللَّه عليه وآله من هو نفسه وهو حقيقة العلويّة وهي مع حقيقته المحمّديّة نور واحد من نور واحد كما أشار إليه سبحانه وتعالى : * ( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) * [ آل عمران : 61 ] . كما وصل إليه واعترف به الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وقال : فلما أراد سبحانه وتعالى وجود العالم ، وبدأه على حدّ ما علمه بعلمه بنفسه ، انفعل عن تلك الإرادة المقدّسة بضرب تجلّ من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكليّة ، انفعل عنها حقيقة تسمّى الهباء . . . ثمّ أنّه سبحانه تجلَّى بنوره إلى الهباء . . . فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلَّا حقيقة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله فكان سيّد العالم وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه إمام العالم وسرّ الأنبياء أجمعين . ( وأسرار الأنبياء ) ذكره في الفتوحات المكيّة ج 1 ص 116 وأنظر الطبع الحديث ج 2 ص 227 متنا وتعليقا . راجع أيضا الجزء الأول من تفسير المحيط الأعظم ص مج وص 149 من المقدّمة وص 267 تعليقنا الرقم 46 وص 446 تعليقنا الرقم 116 وص 510 تعليقنا الرقم 159 . وان شئت الاطلاع في الهباء أكثر فراجع « مصباح الأنس » ص 74 وص 164 ، وتفسير المحيط الأعظم ج 2 ص 375 وتعليقنا فيه الرقم 178 وأيضا ص 410 وص 412 .